الرحمة في المنهج النبوي صورها وآثارها على الفرد والمجتمع

في عالمٍ تزداد فيه الصراعات وتطغى عليه المادة، قد يظن البعض أن الرحمة ضعفٌ أو تراجع، لكن التاريخ والسيرة النبوية يخبراننا بعكس ذلك تماماً. فالرحمة هي القوة الخفية التي بنى بها الإسلام حضارةً إنسانية خالدة، وهي جوهر الرسالة المحمدية مصداقاً لقوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)).

1. الرحمة: درسٌ بليغٌ من يوم الطائف

من أعظم الدلائل على رأفة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه المتفاني على إنقاذ الناس، ما حدث في رحلة الطائف. خرج إليهم ماشياً، وأقام بينهم عشرة أيام يدعوهم إلى الخير، لم يترك أحداً إلا وكلَّمه. 

لكنَّ الردَّ كان قاسياً ومؤلماً؛ فقد أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فرمَوه بالحجارة حتى أدمَوا قدمَيه الشريفتين، واختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يدافع عنه بجسده حتى شُجَّ رأسه. وحين لجأ النبي إلى بستان يدعو ربه شاكياً ضعفَ قوته، تجلَّت السماء بنصرٍ، ولكنه نصرٌ ممزوجٌ بالرحمة.

لحظة الاختيار الصعبة: أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يعرض عليه الانتقام قائلاً: «إن الله قد سمع قول قومك لك… وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين)». فكان رد نبي الرحمة درساً للأجيال:

“بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً”.

لم ينتقم، ولم يدعُ بالهلاك، بل تمنَّى لهم الهداية، مؤسساً بذلك قاعدة أن الإسلام دين إحسان وبناء، لا دين انتقام وهدم.

2. الرحمة صفة المجتمع المسلم المتماسك

الإسلام دين قائم على طاعة الخالق والإحسان للمخلوق؛ فمَن كان بالدين أعلم، كان للخلق أرحم. والمجتمع المسلم هو مجتمع التكافل والتراحم، وتتعدد صور هذه الرحمة لتشمل جوانب الحياة كافة:

أولاً: الرحمة بالأطفال

تكون بإشعارهم بالأمان والحب، وتقبيلهم وملاعبتهم. وقد استنكر النبي صلى الله عليه وسلم جفاء مَن لا يُقبِّلُ أطفاله، قائلاً للأقرع بن حابس: “أوَأملك لك أنْ نزع َالله من قلبك الرَّحْمَة؟”.

ثانياً: الرحمة بالنساء (الرفق بالقوارير)

تتجلَّى في الإحسان إليهنَّ، وتقدير مشاعرهنَّ، وفهم حاجاتهنَّ. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم معيار خيرية الرجل مرتبطاً بإحسانه لأهله، فقال: “خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي”.

ثالثاً: توقيرُ كبار السن وبرُّ الوالدين

وهي من أوجب الواجبات، عبر خفض الصوت، وتلبية الحاجات، وإفساح الطريق. قال تعالى: ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)). وحذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من إهمالهم بقوله: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا”.

رابعاً: الرحمة بالضعفاء والعمال

تشمل القوي والضعيف، والمرؤوس والمسؤول. فلا تجوز المشقة على العمال أو تكليفهم ما لا يطيقون. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على مَن يشقُّ على أمته، ودعا لمن يرفق بهم، مرسخاً مبادئ العدالة الوظيفية والإنسانية.

3. شمولية الرحمة وآثار زوالها

الرحمة في الإسلام مفهوم واسع، لا يقف عند حدود البشر، بل يتعداه إلى الرفق بالحيوان والعناية بالبيئة والممتلكات. ففي الحديث الصحيح أن الله عزَّ وجلَّ غفر لرجلٍ بسقيا كلب، مما يؤكد أن كل رقة في القلب تجاه أي كبدٍ رطبة فيها أجر عظيم.

4. مظاهر تراجع الرحمة في واقعنا

مع الأسف، نرى اليوم في مجتمعاتنا صوراً مؤلمة لـ قسوة القلوب، لم نعهدها من قبل، وليست من سمات المجتمع المسلم؛ منها:

  • الظلم الاجتماعي: كالجور على العمال، وتأخير مستحقاتهم، وعدم مراعاة ظروفهم.
  • الأذى السلوكي: مثل إزعاج الجيران، والتعدي على الممتلكات العامة، والتنمر في المدارس والجامعات.
  • التفكك الأسري: من قبيل نزع المودة بين الأزواج، وغلاء المهور، وعقوق الوالدين، وقطع الأرحام.
  • اللامبالاة: التي أدَّت إلى تبلُّد المشاعر تجاه مآسي الشعوب والفقراء.

5. عواقب غياب التراحم

عندما تُنزع الرحمة من القلوب، يدفع المجتمع ثمناً باهظاً، ومن ذلك:

  1. شريعة الغاب: حيث يتغوَّل الأقوياء وتضيع حقوق الضعفاء.
  2. الأنانية المفرطة: التي تُولِّد غياب الثقة والشراكة، وسيادة منطق “أنا ومن بعدي الطوفان”.
  3. ارتفاع معدَّل الجريمة: وهو نتيجة حتمية للحقد والفقر وغياب التكافل بين الأغنياء والفقراء.
  4. التمزق الاجتماعي: وشيوع التقاطع والتدابر بدلاً من الألفة والمحبة.

6. سبل إحياء خلق الرحمة

لإعادة الدفء إلى مجتمعاتنا، ولنتجنب الانهيار الأخلاقي، لا بدَّ لنا من إعادة إحياء خلق الرحمة في مجتمعاتنا، ويكون ذلك من خلال: 

  • التربية بالقدوة: أن يرى الصغار من الكبار مواقف عملية في رحمة الضعيف والحيوان.
  • تصحيح المفاهيم: وترسيخ فكرة أن الرحمة واللين هما قمة “القوة والنبل”، وليست ضعفاً وتهاوناً. 
  • التوجيه التربوي: من خلال تفعيل دور الإعلام والمناهج الدراسية في تعزيز هذا الخلق وإبراز آثاره الإيجابية.

7. ثمار التحلِّي بالرحمة في الدنيا والآخرة

من يتصف بالرأفة والرحمة يجني ثماراً يانعة، أهمها:

  1. استجلاب رحمة الله: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.
  2. محبة الخلق: فاللِّين يجذب القلوب ويورث المحبة.
  3. الاقتداء بالنبي: فهو سيرٌ على خطى خير البشر صلى الله عليه وسلم.
  4. تماسك الأمة: وبناء مجتمع قوي كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
  5. المغفرة والنجاة: فهي سبب لتكفير الذنوب والنجاة من عذاب الله.

8. تطبيق عملي مؤثِّر: قصَّة التمرتين

الرحمة تبدأ من الدائرة الضيقة (الأسرة) لتنطلق إلى العالم. ومن أروع الأمثلة التطبيقية ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها جاءتها مسكينة تحمل ابنتين لها، فأعطتها عائشة ثلاث تمرات. أعطت الأمُّ كلَّ بنت تمرة، ورفعت الثالثة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أكلها بينهما، ولم تأكل شيئاً وآثرت صغيرتيها.

فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته عائشة بصنيعها، قال مبشراً:

“إنَّ اللَّه قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجنَّةَ، أَو أَعْتقَها بِهَا من النَّارِ”.

خاتمة: كن أنت مصدر الرحمة

أخي القارئ، كن رحيماً بنفسك وبغيرك. ارحم الجاهل بتعليمه، والفقير بمالك، والعاصي بدعوته بالحسنى، والمهموم بمواساته. تذكر دائماً أن أقرب الناس من رحمة الله هم أرحمهم بخلقه، فمن كثرت شفقته على العباد، وقاه الله عذاب القبر وهول الموقف، وأظله بظله يوم لا ظلَّ إلا ظله.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *