حين ننظر إلى تربية أبنائنا اليوم، ندرك أنّ من أعظم ما يمكن أن نمنحهم إيّاه هو أن يملأ حبُّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قلوبهم. فمحبّته ليست عاطفةً عابرة، بل هي جذر الإيمان، وروح الهداية، ونور الطّريق.
الطّفل الذي يعرف نبيّه معرفةَ محبّة واقتداء، ينشأ على الصّدق والرّحمة والحياء، ويجد في شخص النّبيّ صلى الله عليه وسلم القدوة التي تملأ فراغ قلبه، في زمنٍ امتلأ بالقدوات الزائفة والصور المبهرة الخالية من المعنى.
وغرس هذه المحبّة لا يكون بالكلمات فقط، بل بالصّحبة والقدوة والدفء الأسري الذي يربط الطّفل بسيرة نبيّه كما لو كان يعيش معه.
أولًا: معنى المحبّة وأثرها في التربية:
محبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليست مجرّد ميلٍ عاطفي، بل هي ثمرة الإيمان الصادق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين” (متفق عليه).
إنّها محبّة نترجمها في السلوك، ونظهرها في الطّاعة والاتّباع.
حين نعلّم أبناءنا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان الصادق الأمين، الرحيم بالناس، الذي يحبّ الخير لهم كما يحبه لنفسه، فإننا نغرس فيهم كل قيمة نبيلة؛ فمحبّته بابٌ يدخل منه الطّفل إلى عالم الإيمان والجمال والأخلاق.
ثانيًا: لماذا نبدأ من الطفولة؟
الطّفولة هي الأرض الخصبة التي يُزرع فيها الإيمان. في تلك السنوات الأولى تتكوّن الصور الأولى في ذهن الطّفل؛ من هو بطله؟ من هو مثله الأعلى؟ من الذي يثق به ويحبّه؟
إن لم نملأ قلبه بحب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فسيملؤه الآخرون بما يشاؤون؛ من صور المشاهير أو أبطال الخيال الكرتوني.
لهذا لا نريد أن يحفظ الطّفل اسم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقط، بل أن يشعر أنه قريب من قلبه ووجدانه، أنه يحبه حقًا، وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعرفه ويدعو له. حينها تنمو المحبّة في قلبه تلقائيًا، كما تنمو الزهرة حين تسقى كل يوم بقطرة دفء.
ثالثًا: وسائل عملية لغرس المحبّة:
- القصة.. لغة القلب:
الطّفل يعشق القصة، يعيش تفاصيلها بخياله الصافي. فلنحكِ له عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما نحكي عن بطل نحبه؛ عن رحمته بأنس بن مالك، الذي خدمه عشر سنين دون أن يسمع منه كلمة عتاب، وعن الجمل الذي بكى إليه، فمسح رأسه وسكّنه، وعن تقبيله للحسن والحسين رضي الله عنهما وهو يحمل أحدهما على كتفه.
حين يسمع الطّفل هذه القصص، سيحبّ النّبيّ لأنه يراه قريبًا منه، رقيقًا، يشبه الإنسان الذي يتمناه في حياته.
- القدوة في البيت:
لا يتعلم الطّفل بالكلام بقدر ما يتعلم بالنظر.
حين يرى والده يُكثر من الصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، ووالدته تذكره كلما تحدثت عن خلق أو عادة حسنة، سيشعر بأن النّبيّ حاضر في البيت.
يكفي أن نقول له في المواقف الصغيرة:
“النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يبتسم كثيرًا”
“كان يبدأ باليمين”
“كان لا يردّ السائل”
هذه العبارات البسيطة، حين تتكرر، تصنع في قلب الطّفل حبًا عميقًا وهادئًا.
- أجواء محبّة وفرح:
ليكن الحديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم جزءًا من لحظات الفرح العائلي، لا مجرد درسٍ جاف.
في ليالي رمضان، أو أثناء رحلةٍ عائلية، يمكن أن ننشد الأناشيد ونتبادل أشعار المديح النبوي، أو نقيم مسابقة صغيرة حول مواقفه صلى الله عليه وسلم، أو نحكي قصةً من سيرته بأسلوب تمثيلي.
حين تمتزج المحبّة بالفرح، تبقى راسخةً في الذاكرة.

- التعليم بالقدوة العملية:
السنّة لا تُعلَّم بالشرح فقط، بل بالمشاهدة.
فلنعلّم أبناءنا كيف يأكلون كما كان يأكل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، وكيف ينامون على وضوء، وكيف يبتسمون في وجه الناس.
نقول لهم بهدوء: “هكذا كان نبيّنا صلى الله عليه وسلم يحب أن يفعل”.
هذه التفاصيل الصغيرة تُنشئ فيهم شعورًا دائمًا بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم معهم في كل لحظة.
- تحريك الخيال والعاطفة:
الخيال عالم الطّفل الأوسع.
يمكننا أن نحدّثه بأسلوب عاطفي جميل:
“تخيّل يا بني لو كنتَ في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، ماذا كنت ستقول له؟”
“هل تعلم أنّه دعا لك قبل أن تولد؟”
حين يعيش الطّفل هذه اللحظات الخيالية، يشعر أن بينه وبين النّبيّ صلى الله عليه وسلم علاقة حيّة نابضة بالحب.
- الحب في العمل والسلوك:
المحبّة ليست قولًا فقط، بل سلوك.
لنعلّم أبناءنا أنّ من يحبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يجب أن يحبّ الخير للناس، كما كان يفعل هو.
نحثهم على التّصدّق، ومساعدة زملائهم، والاعتذار عند الخطأ، ونقول لهم: “هكذا كان نبيّنا صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّه تبعه”.
رابعًا: ما الذي يضعف محبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قلوب الأطفال؟
أحيانًا نُضعف هذه المحبّة دون أن نشعر؛ حين نقدّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بصورة مخيفة بدل صورته الرحيمة، أو حين نذكره فقط في الدروس ولا نذكره في المواقف اليومية، أو حين نقارن الطّفل بغيره بدل أن نربطه بالقدوة الحسنة.
يجب أن يشعر الطّفل أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم هو رمز الحب والرفق والإنسانية، لا رمز الخوف والعقاب.
خامسًا: دور المؤسسات التربوية والمشاريع الإيمانية:
مشروع التربية الإيمانية – وغيره من المبادرات القرآنية – يحمل مسؤوليّة عظيمة في إعادة محبّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى موقعها التّربويّ الصّحيح.
من خلال الأنشطة والورش التفاعلية والمسرحيّات الهادفة والمسابقات حول السيرة، يمكن تحويل هذه المحبّة إلى عادةٍ يومية.
فليكتب الطّفل في دفتره: “اليوم تعلّمت من نبيّي أن أكون صادقًا.”
ولنعلّق في المجلات الحائطية صورًا من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم.
حين يعيش الطّفل السيرة داخل أنشطته اليومية، لا تبقى محبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكرة في كتاب، بل تصبح روحًا تحرك سلوكه.
- خاتمة:
إن غرس محبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قلوب أطفالنا ليس مهمة تعليمية فقط، بل هو بناء لوجدانٍ مؤمنٍ يعرف من يحب ولماذا يحب.
كل مرة نحكي فيها قصة عن النّبيّ، أو نصلي عليه، أو نربط أبناءنا بسنّته، فإننا نضع لَبِنةً في قلبٍ صغير سيكون غدًا قلب رجلٍ صالح أو امرأةٍ صالحة.
اللهم ازرع في قلوب أبنائنا حبَّ نبيك صلى الله عليه وسلم ، ووفقنا لأن نكون قدوةً تذكّرهم به، واجمعنا جميعًا في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّك.


اترك تعليقاً