كيف نُحوِّل المجتمع من “الأنانيَّة المُفرِطة” إلى “الجسد الواحد”؟

مقدمة: درسٌ بليغٌ من ذي القرنين 

ملكٌ آتاه الله أسباب القوة والنفوذ والسلطة، فملك من الأرض ما شاء الله له أن يملك. وفي إحدى رحلاته الجهادية، حين بلغ “بين السدّين”، وجد أقواماً من العجم طلبوا منه أمراً عجيباً؛ أن يبني لهم سداً منيعاً يحجب عنهم فساد “يأجوج ومأجوج”.

لم يرفض هذا الملك الصالح، ولم يتكبر بقوته، بل قال لهم عبارته الخالدة :(فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ). 

فهل كان حقاً بحاجة لمعونتهم وهو الذي قال الله عنه: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)؟ إنه درسٌ عظيمٌ للأجيال، يبيِّن ضرورة التعاون والتكاتف في إنجاز عظائم الأمور. وكانت النتيجة أن هذا التعاون أثمر سدّاً عظيماً منيعاً، حجب عن البشر شرّاً مستطيراً إلى آخر الزمان.

1. مفهوم التعاون: بين المحمود والمذموم

يُقال إن “العون” هو الظهير على الشيء، و”المعوان” هو الحسن المعونة للناس. والتعاون هو أن يُعين الناسُ بعضهم بعضاً. لكنَّ الإسلام، بمنهجه الدقيق، نبَّهنا إلى أنَّ التعاون ليس خيراً مطلقاً، بل هو نوعان:

  1. التعاون المحمود: وهو الذي يبني ويعمر، كما تعاون الصحابة رضي الله عنهم لحفر الخندق، وبناء أول مسجد في الإسلام “مسجد قباء”.
  2. التعاون المذموم: وهو الاجتماع على الشر، كما حدث حين تجمَّع نفر من المشركين أمام بيت النبي ﷺ ليلة الهجرة، واتفقوا وتعاونوا على أن يضربوه ضربة رجل واحد.

لذلك وضع القرآن الكريم القاعدة الفاصلة في قوله تعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)).

2. لماذا التعاون ضرورة حياة؟

التعاون ليس شيئاً ثانوياً أو كمالياً، بل هو فطرةٌ جبل الله عليها المخلوقات كافة: صغيرها وكبيرها، إنسها وجنها. فلا يمكن لمخلوق أن يواجه أعباء الحياة ومتاعبها منفرداً. ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الحقيقة بقوله: “حياة بني آدم وعيشهم في الدُّنْيا لا يتم إلَّا بمعاونة بعضهم لبعضٍ في الأقوال والأعمال”.

ولأنَّ الجماعة تَفضُل الفرد، جاءت التوجيهات الربانية في القرآن الكريم موجَّهة بصيغة الجمع، مثل: “يا أيها الذين آمنوا”. وقد صور النبي ﷺ المجتمع المتعاون بأروع الصور:

  • كالجسد الواحد: “مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى”.
  • كالبنيان المرصوص: “المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً”.

3. صور التعاون في حياتنا اليومية 

يخطئ من يظنُّ أنَّ التعاون مقصور على المشاريع الكبرى، بل على العكس؛ مفهومه أوسع من ذلك بكثير، ويمتد ليشمل تفاصيل حياتنا اليومية، ومن صوره:

  • التعاون الأسري: إعانتك لأهلك وزوجتك في أعمال البيت هي من صميم التعاون.
  • التكافل الاجتماعي: أن ترى كبيراً مثقلاً بحمله فتحمله عنه، أو تأخذ بيد ضرير.
  • التعامل المالي: صبرك على المعسر حتى يفرِّج الله عنه، ومساعدتك لصاحب الدين في وفائه.
  • تيسير الزواج: إعانة الشباب على العفاف بالتخفيف من المهور وتكاليف الأعراس.
  • النصح والإرشاد: أن ترى قريباً أو صاحباً غارقاً في المعاصي، فتقيل عثرته وتنصحه بالحسنى.
  • دعم أهل الخير: مساندة القائمين على أعمال البر سواء بالمال، أو الجهد، أو حتى بالكلمة الطيبة والدعاء.

4. ثمار التعاون على الفرد والمجتمع: ماذا نجني؟

عندما يسود خلق التعاون، تعم الفائدة الجميع بلا استثناء؛ ومنها:

  • توفير الوقت والجهد: فالأعمال الكبيرة والمهام العظيمة تصبح خفيفة وسريعة الإنجاز بتوزيع الأدوار.
  • زيادة الخبرات: فتلاقح العقول وتعاون الأفراد والمؤسسات يؤدي إلى تبادل الخبرات والتطور المهني.
  • اكتشاف الطاقات: العمل الجماعي يحفز الأفراد لتفعيل طاقاتهم الكامنة واكتشاف مواهبهم التي لا تظهر إلا في الجماعة.
  • قوة وهيبة المجتمع: انتشار التعاون يعطي صورة لمجتمع متماسك كالبنيان، مما يمنحه قوة ومهابة أمام المجتمعات الأخرى.

5- لماذا تراجع التعاون في عصرنا؟ 

رغم كل هذه الفوائد، نرى أن التعاون قد اضمحلَّ في واقعنا، ويعود ذلك لأسباب نفسية واجتماعية كثيرة، من أهمها:

  1. الفردانية المفرطة: حيث تحول الاهتمام من “الجماعة” إلى “الفرد”، وأصبح المجتمع بالنسبة للفرد شيئاً غريباً يجب الحذر منه.
  2. الأنانية: وتقديم المصلحة الخاصة على مصلحة الجماعة، حتى لو تسببت بضرر للآخرين.
  3. طغيان المادية: وقياس كل فعل بمقياس “المنفعة المادية”، فلا تعاون بلا مقابل ملموس.
  4. الحسد: وهو داء عضال يدفع الإنسان للامتناع عن المعونة خشية أن يصبح الآخرون أفضل منه.
  5. غياب احتساب الأجر: حيث غاب عن ذهن الكثير من الناس أنَّ الثواب الحقيقي هو من عند الله في الآخرة، وليس بالضرورة مكسباً دنيوياً عاجلاً.
  6. التعصُّب والحزبية: والامتناع عن مساعدة المخالفين في الرأي أو الانتماء، بل والسعي لإفشالهم نكاية بهم.
  7. سوء الظن: الذي يؤدي إلى الاستسلام للأوهام والشكوك حول نوايا أي عمل جماعي (ما الهدف؟ من يقف خلفه؟).

وقفة تأمل في كتاب الكون

في الوقت الذي يزهد فيه البشر بالتعاون، نجد أن الله جبل مخلوقاته عليه في أبهى صورة. انظر إلى مجتمع النحل ونظامه الدقيق في تكوين مملكته وإنتاج العسل. وتأمل أسراب الطيور التي لا تهاجر إلا جماعات. وانظر إلى جيوش النمل التي تسير في فجاج الأرض بنظام أدهش نبي الله سليمان وجيشه، فتبسم ضاحكاً من عجيب صنعها وحسن تدبيرها.

فإذا كان هذا حال بقية المخلوقات غير العاقلة، فحريٌّ بمَن زيَّنه الله بالعقل عن سائر المخلوقات أن يكون أدعى للحفاظ على هذا الخلق. 

9 خطوات عملية لإعادة بناء التعاون

لإحياء هذا الخلق العظيم، لا بد من جهد جماعي عبر خطوات محددة:

  1. التربية المبكِّرة: من خلال زرع خلق التعاون في الأبناء وتعويدهم على المهام الجماعية منذ الصغر.
  2. تصحيح المفاهيم: عبر إقناع الناس بأن المصلحة المادية ليست هي المحرك الوحيد للتعاون فيما بينهم، وأن بركة التعاون تعود على الجميع.
  3. نشر ثقافة التطوع: وتوسيع برامج العمل التطوعي لتعزيز الروابط بين الأفراد.
  4. نبذ الحزبية: والتأكيد على أنَّ مصلحة “الأمة” والمجتمع مقدَّمةٌ على مصلحة الحزب أو الجماعة الضيقة.
  5. استشعار المسؤولية: وذلك بتذكير أصحاب الرأي بأن نهضة الأمة مشروع ضخم لا يتم إلا بالتكاتف والجهود المشتركة.
  6. التعارف: وتشجيع التواصل بين الناس، لأن المعرفة هي بوابة الثقة والتعاون (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).
  7. إبراز القدوات: وتسليط الضوء على النماذج المشرقة من السيرة النبوية والمجتمع المعاصر.
  8. دور المؤسسات: في بناء بيئة عمل تشجع روح الفريق الواحد داخل الشركات والدوائر الحكومية.
  9. التوعية بالمصير المشترك: والتنبيه إلى أن غياب التعاون هو المِعول الأول لهدم الحضارات وسقوط الدول.

كونوا كحزمة السهام

يُروى أنَّ أكثم بن صيفي جمع أولاده عند موته، وأحضر حزمة من السهام وطلب منهم كسرها مجتمعة، فلم يقدر أحد. ثم فرقها سهماً سهماً فكسروها بسهولة. فقال وصيته الخالدة: “كونوا مجتمعين؛ ليعجز مَن ناوأكم عن كسركم كعجزكم الآن عن كسر الضمامة”.

ولنا في سيرة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه عبرة؛ فقد كان عبداً مكاتباً ليهودي، فقيراً لا يملك ثمن حريته، فقال النبي ﷺ للصحابة: “أعينوا أخاكم”. فتعاونوا جميعاً حتى تحرر من رقِّه، وأصبح حرّاً يخدم دين الله.

فأعينوا إخوانكم، وكونوا سنداً لبعضكم، فإنكم بذلك تبنون حصناً منيعاً لأنفسكم ومجتمعكم في وجه نوائب الدهر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *