مفهوم المسؤولية ودوائرها الست: كيف نبني فرداً ومجتمعاً مسؤولاً؟

درسٌ عمليٌّ يوم الخندق 

في أشد اللحظات حرجاً، حين تجمعت الأحزاب لاستئصال شأفة المسلمين، برز الحل العسكري في حفر خندق يحمي المدينة. لكن العظمة لم تكن في الفكرة فحسب، بل في التنفيذ.

في ذلك المشهد المهيب، تلاشت كل الفوارق الطبقية والاجتماعية. ذابت الألقاب بين غني وفقير، وبين سيِّد ومسود؛ فالجميع نزلوا إلى الميدان، والكل تساوى في حمل التراب وتكسير الصخور لحماية بيضة الإسلام.

ولعل الصورة الأعظم التي خلدها التاريخ، لم تكن في طول الخندق أو عرضه، بل في “القائد” الذي نزل إليه. لم يجلس النبي صلى الله عليه وسلم في خيمته ليصدر الأوامر، ولم يقل “أنا رسول الله ومهمتي التوجيه فقط”.

على العكس تماماً، كان صلى الله عليه وسلم أول من حمل الفأس، وأكثر من ضرب الصخر، يشارك أصحابه الجوع والتعب، وقد غطى الغبار جسده الشريف. لقد أراد أن يرسخ بفعله قبل قوله أن المسؤولية المجتمعية ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي مشاركة وتضحية وتكاتف. وبهذه الروح الجماعية المسؤولة، كُتب لهم النصر والنجاة.

هذا النموذج النبوي الفريد هو التجسيد الحقيقي والعميق لما نسميه اليوم: حسّ المسؤولية.

تراجع خلق المسؤولية:

أزمة مجتمع

الأخلاق في الإسلام تنقل الفرد من النظر إلى الحياة كموضوع شخصي بحت، إلى كونها موضوعاً جماعياً تشاركياً. فكلُّ فرد، ذكراً كان أم أنثى، يمارس مجموعة من المسؤوليات التي يفرضها عليه موقعه وقدراته.

إن مقدار وعي الفرد بمسؤولياته هو المعيار الذي يجعل المجتمع متعاوناً وتسوده المودة. وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ المسؤولية الشاملة بوضوح في الحديث الشريف:

“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الحاكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيّده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته”.

نلاحظ هنا التوكيد في البداية والنهاية بعبارة “كلكم راعٍ”، لترسيخ هذا المعنى الشمولي.

الإحساس بالمسؤولية: أساس التغيير الأخلاقي

عندما يوقن الإنسان أن مسؤوليته في الحياة تتمحور حول تزكية النفس وحملها على امتثال شرع الله عقيدةً وسلوكاً، فإن هذا الشعور يلازمه ويدفعه للتخلق بالأخلاق الإسلامية.

ويمكن تعريف المسؤولية ببساطة بأنها: تحمُّل الشخص ما التزم به طوعاً أو أُلزم به كرهاً. والمسؤولية ليست كتلة واحدة صمَّاء، بل هي 6  دوائر تحيط بالفرد:

  1. النفس.
  2. الأهل.
  3. العمل.
  4. الوطن.
  5. الإسلام.
  6. الأرض وإعمارها.

أولاً: مسؤولية النفس (الدائرة الأهم)

تضافرت أدلة الشرع لتكوين حسّ المسؤولية الذاتية، قال تعالى :(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا). 

إنَّ منهج التغيير يبدأ بتوجيه “إصبع الاتهام” إلى النفس؛ لأن اتهام النفس يمثل قمة الوعي، مما يستنفر الإنسان لبذل الجهد في إصلاحها وتجنب خزي الدنيا وعذاب الآخرة. ويأخذ هذا الاتهام صوراً عملية محددة:

1. المحاسبة والمراقبة الدائمة:

فكلما زاد اتهام الإنسان لنفسه، شدد عليها المحاسبة في الصغيرة والكبيرة. حتى وهي تُقبل على عمل الخير، يراقبها خشية أن تخالطه نية تفسده. عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الكيِّس مَن دان نفسه (أي حاسبها) وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني”. 

2. رفض أعذار النفس وقبول أعذار الناس:

للنفس ميل طبيعي لتبرير أخطائها وانتحال الأعذار للتستر على تقصيرها، قال تعالى: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ). 

وإذا كانت الآية تتحدث عن القيامة، فإنها دعوة للوم النفس في الدنيا وإبطال معاذيرها قبل يوم الحساب (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ).

بالمقابل، يُحمد للمرء أن يتلمَّس الأعذار للناس، ويحمل ظاهر أعمالهم على المحمل الحسن. يقول الفضيل بن عياض: “الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان”. ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى بقوله: “العارف لا يرى له على أحد حقاً، ولا يشهد له على غيره فضلاً، ولذلك لا يعاتب ولا يطالب”.

3. مخالفة النفس ومجاهدتها:

يتأسَّس مبدأ التزكية على الاعتقاد بأن النفس نزَّاعة لمخالفة القواعد الأخلاقية (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ). لذا فإنَّ مضادة النفس فيما تهوى وتكره هو المنهج الأقوم لتقويم اعوجاجها.

4. اتِّقاء حظوظ النفس وضبط اللسان:

يهدف الإسلام لتحرير القلب من الأهواء ليكون خالصاً لله. فالمسلم المسؤول يراقب كلماته، ولا يطلق للسانه العنان في المجالس أو على منصات التواصل الاجتماعي -غيبةً ونميمةً وأحكاماً- وكأنه غير محاسب. وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم خطورة هذا الأمر بقوله لمعاذ: (ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يكبُّ النَّاسَ في النار على وجوهِهِم… إلَّا حصائدُ ألسنتِهم).

المسؤولية المجتمعية: شبكة مترابطة

المسؤولية عبارة عن شبكة تربط أفراد المجتمع؛ فأنت في هذا الكيان لست “آخذاً” فقط، بل أنت “معطٍ” ومؤثر أيضاً.

أولاً: المسؤولية العائلية

انظر إلى ما وصلت إليه اليوم؛ وتأكد أنك نتاج جهد مسؤول من والدين ومعلمين اعتنوا بك. بداية من تعليمك النظافة الشخصية وقصار السور، وصولاً للأخلاق المجتمعية، كان هذا كله “جهداً مسؤولاً” ممن حولك.

الآن، أو في المستقبل القريب، يأتي دورك لرد الدين وتحمل المسؤولية: حفظ الأعراف الصالحة، توريث الهوية الإسلامية لأبنائك، وحماية دينهم ولغتهم وعباداتهم.

ثانياً: المسؤولية في العمل

في بيئة العمل، يمكننا التمييز بوضوح بين نوعين من الموظفين بناءً على خلق المسؤولية:

  • فاقد المسؤولية: يتهرب، يكثر الأعذار، يماطل، يقصر في عمله، ويلقي باللوم دائماً على الآخرين، مما يؤدي لتعطيل مصالح الناس والمصالح العامة.
  • المتحلِّي بالمسؤولية: يدرك أن الخطأ وارد، لكنه يتحمل مسؤوليته. يعترف بالخطأ ولا يكثر التبرير، يبادر ويتعاون، ويحسن تنظيم أموره، ويسعى بجدية لتطوير خدماته والمؤسسة ككل.

ثالثاً: مسؤولية الوطن والأمة

قد نرى تراجعاً في حال الأمة، وسواء كانت الأسباب داخلية أو خارجية، فإننا كأفراد نملك مفاتيح التغيير والنهوض بمجتمعاتنا، وذلك من خلال:

  1. المشاركة الإيجابية في مواجهة المشكلات العامة.
  2. الانضباط السلوكي للفرد الذي ينعكس تلقائياً على المجتمع.
  3. تقبُّل الآخرين واستثمار طاقاتهم للنفع العام.

يفهم المسلم أن غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان كخليفة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). هذه الآية تعني أنك مسؤول عن الأرض، وعن بلدك ودينك، وليس عن نفسك فقط. ومتى غاب هذا الحس، انكفأ الناس على ذواتهم، وغاب الأمر بالمعروف، وطغت المعايير المادية.

ختاماً: كيف نربِّي جيلاً مسؤولاً؟

من المهم أن ندرك أنَّ التربية على المسؤولية ليست مهمة فردية، بل هي عملية تكاملية:

  • الأسرة: حين تُعلِّم الطفل الحفاظ على أدوات المنزل منذ الصغر، فهي تغرس بذرة المسؤولية.
  • المدرسة والمسجد: عندما يدرِّبان الطلاب على ترشيد الخدمات والشعور بالانتماء، فهما يصنعان فرداً مسؤولاً.
  • الصحبة الصالحة: حين ترفض “شلة الأصدقاء” السلوك المؤذي للمجتمع، وتنشط في خدمة الآخرين، فهي تخرج جيلاً واعياً.

ولنتذكر دائماً قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). 

والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا الآن: كيف سنشهد على البشرية إن لم نكن أهلاً لتحمل المسؤولية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *