بسم الله الرحمن الرحيم
في ظلّ هذا التسارع العلمي، ودوران عجلة التعليم التي تكاد تسابق الزمن، تطوّرا وازدهارا، وتبسيطا واختصارا، جامعات ومعاهد تُفتح، ودورات ومعارف تُنشر وتُنقّح..
يقف البعض متسائلاً:
هل هذا مِلاك الأمر وجوهره، وهل يقف الطامحون عند هذا الهدف، أم ما زال هناك ثمرة منشودة لا ينالها إلا أهل الهمم والشرف؟!
نعم أيها المتأمِّل المتمهّل، لا بدّ من غاية لهذا الحراك العلمي، والتقدّم التقني.
إنّ غايته الحقيقية التي ينبغي أن تكون ميزانا لكل متعلّم حاذق موفّق، أن يجمع بين المعرفة والأخلاق، والكفاءة والضمير، والعلم والعمل..
إنّ أمّتَنا بأمسِّ الحاجة إلى تربية تزكّي العلمَ وتوجّهه، وتهذّب صاحبَه وبالقيم تعزّزه.
التعليم بلا تربية كجسدٍ بلا روح
قد يتحرّك، لكن حركة لا إرادية، قد يعلو، لكنه لا يلبث أن يسقط مدوّياً، وقد يُبهر لأول وهلة، لكنه لا يلفت حين تتكشف حقيقته، وقد يضيء ولكن سرعان ما تنطفئ شعلته.
حين تعلّم إنساناً تعليماً بحتاً، دون تربية ولا قيم، فكأنك تعطي سيفا لأعمى، يخبط به خبط عشواء.

مما نعاني اليوم؟
إن مانعاني منه اليوم ليس قلة العلماء والمتعلمين، بل من قلة العالِم الرباني.
- من كثرة الناقلين وقلّة المؤثّرين،
- من وفرة “المعلومات” وندرة “القيم”.
- من التركيز على الحفظ وغياب الفهم
- من التعليم النمطي وغياب الإبداع
والمولى سبحانه وتعالى يقول: {ولكن كونوا ربانيين ..}
ما هو دور التربية؟
إذا كان التعليم يصنع المهارة، فالتربية تحدد وجهة هذه المهارة، العلم يصنع القنبلة، والتربية تقرّر على من ترمى، على عدو صائل، أم على طفل نائم…
تقوم التربية على التهذيب، التوجيه، أن تحمي العلم من أن يتحول إلى سلاحٍ في يد مجنون، أو شهادة في يد فاسد.
التعليم بلا تربية كجسدٍ بلا روح
لم يكن النبي ﷺ يُلقّن فقط، بل كان يُربّي.
كان يغرس قبل أن يعلّم، ويطهّر قبل أن يوجّه، ولذلك: خرّج رجالًا، لا مجرّد حفَظَة.
في مدرسة النبوّة، لم يكن التعليم مجرد نقلٍ للمعلومة، بل تربية شاملة
تبني الإنسان من جميع جوانبه النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية..
جنبا إلى جنب مع التعليم كجناحي طائر يحلّق بهما، فكان الغذاء والشراب للأبدان، والعلم والمعرفة للعقول،
والتربية والتزكية للنفوس والأرواح.

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه:
“تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فازددنا به إيمانًا”
الإيمان أول التربية قبل التعليم.
اليوم انفصل الجسد عن الروح في كثير من دُور التعليم والمعرفة، وصار حالها شِبه السفن الضخمة التي تملك كل شيء.. إلا البوصلة.
الخلاصة: ما الذي يجب أن نعيده؟
أن نربّي قبل أن نعلّم.
أن يكون المعلّم راعيًا، رسالياً، لا موظفًا شكليا.
أن نربط العلم بالله، لا بالدرجات والمعدّلات فحسب.
ولأجل هذا كان مشروع التربية الإيمانية، مشروع تربية وتعليم، مشروع عبادة وإخلاص، مشروع علم وعمل، مشروع معارف وقيم، مشروع دنيا وآخرة.
فمن أراد تعليما يُثمر، فليعضده بتربية تُزهر.


اترك تعليقاً