تُعدّ الأمانة من أعظم الأخلاق التي تقوم عليها المجتمعات وتستقيم بها العلاقات بين الناس، وهي خُلُق شامل يتجاوز حفظ الودائع ليشمل مسؤولية الإنسان تجاه نفسه وأهله وعمله ودينه. ومع تراجع هذا الخُلُق في واقعنا المعاصر برزت الحاجة إلى فهم معنى الأمانة، وأسباب غيابها، والآثار المترتبة على ضياعها، ثم البحث عن خطوات عملية تعيد لهذا الخلق مكانته في سلوك الأفراد والمجتمع. في هذا المقال نستعرض مفهوم الأمانة في الإسلام، مظاهر تراجعها، آثارها، وكيفية إحيائها من جديد.
1- تعريف الأمانة: معناها وحدودها في الإسلام:
الأمانة هي كلُّ حقٍّ لزمك أداؤه وحفظه، والأمانة اسم لما يُؤمَّن عليه الإنسان. كأن يأتمنك شخص على مال أو أرض أو وديعة، فتحفظها له وتقوم بأدائها حق القيام.
2- المفهوم الواسع للأمانة وأمثلة من حياة الفرد والمجتمع:
مفهوم الأمانة لا يقتصر على المعنى السابق فقط، بل هو أوسع وأشمل، ويمس معظم جوانب حياة الفرد والمجتمع:
- نفسك التي بين جنبيك أمانة أودعك الله إياها، وعليك الحفاظ عليها، بأن تصون جوارحك عن الحرام، وتعودها على أداء العبادات. وليس من الأمانة ما يتم الترويج له من أن الإنسان حر في جسده يفعل به ما يشاء.
- زوجتك وأولادك أمانة عندك، وعليك أن تقوم بواجبهم فتربيهم تربية حسنة، وتعلمهم الدين، وتحيطهم بالرعاية والاهتمام.
- الطلاب أمانة لدى المدرِّس، فلا يغذِّي عقولهم إلا بالعلم النافع الذي يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير.
- العلم أمانة لدى العالم، وأداؤها أن يعمل به، وألا يمنعه عن راغب فيه، ولا يتخذ منه مطية للطغاة، ووسيلة للصد عن سبيل الله.
- السلطة أمانة لدى القاضي، والقلم أمانة لدى الكاتب، والرعية أمانة لدى الحاكم، وهكذا.. فكل منا مؤتمن.
3- الأمانة خُلقٌ راسخ قبل الإسلام:
الأمانة من الخصال الحميدة حتى قبل الإسلام، حيث كانت تعد من مكارم الأخلاق، فالنبي ﷺ عُرف قبل البعثة بـ”الصادق الأمين”.
وموسى عليه السلام عندما توجه تلقاء مدين، عُرف بالأمانة حتى قبل أن يُعرف باسمه، حيث قالت إحدى الفتاتين اللتين سقى لهما” :يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ”. القصص 26
4- مكانة الأمانة في القرآن والسنة وأثرها في بناء المجتمع:
نجد الحث والترغيب على أداء الأمانة في القرآن والسنة، حتى جُعلت من أهم الأخلاق وأوثقها بالفرد والمجتمع، قال تعالى: “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا” النساء 58.
كما كانت من صفات المؤمنين الصادقين: “وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ” المؤمنون8.
ولم يقتصر الأمر على الحث والترغيب فقط، بل عُدَّ تضييع الأمانة من الأمور المنكرة ومن علامات النفاق، قال ﷺ: “إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة”.
وقال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.
5- لماذا تضيع الأمانة؟ أهم أسباب تراجع هذا الخلق:
إذا سألنا اليوم أي فرد في المجتمع عن الأمانة سيقول إنها من الأخلاق الحميدة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان، ولكن.. لماذا نراها غائبة عن مجتمعنا؟
في الحقيقة هناك مجموعة من الأسباب تقف وراء ذلك، من أهمها:
- غياب المعنى الحقيقي لمفهوم الأمانة عن الكثير من الناس، ما نتج عنه الاستهانة بها وعدم القيام بها حق القيام.
- ضعف الإيمان: الذي قد يدفع صاحبه للاستهانة بها، غير مدرك لحجم الخطر المترتب على عمله هذا.
- تسرب التفكير المادي من الثقافة الغربية واقتصار أداء الأمانة على الودائع فقط.
- الاستهانة في تعظيم مفهوم الأمانة في أذهان الأبناء منذ الصغر، فيكبر الطفل وليس في قلبه وذهنه الاحترام الكافي لهذا الخلق.
- وسائل التواصل الاجتماعي التي وجهت الناس نحو الماديات، فصار الإنسان لا يهتم بما يحققه له هذا الخلق من طمأنينة روحية وسكينة نفسية.
- تشويه الإعلام لصورة الأمانة: حيث يتم تصوير الشخص المحتال المضيع للأمانة على أنه صاحب مكر ودهاء، بينما يتم تصوير الشخص الأمين بمظهر البسيط الساذج.
6- آثار ضياع الأمانة على الفرد والمجتمع:
لتراجع الأمانة آثار خطيرة لا تنعكس على الشخص المقصر في أداء أمانته فحسب، بل على من حوله إلى أن تعم المجتمع ككل، ومن أهم تلك الآثار:
- ضعف إنتاجية الفرد، وتنفيذ عمله بشكل مشوّه.
- تشويه صورة “القدوة”: فالمعلم حين يقصر في أداء أمانته ولا يلتزم بتقديم دروسه بالشكل المطلوب سيؤدي ذلك إلى ضعف ثقتهم به وبرسالته السامية.
- انتشار الفساد في المجتمع: فتقصير الفرد في أداء عمله بأمانة قد يدفع غيره ويشجعه على الاقتداء به.
- غياب البركة والخير عن المجتمع، وفقدان الطمأنينة والأمان والاستقرار، وغياب المحبة والألفة بين أفراده.
7- كيف نعيد الأمانة إلى حياتنا؟ خطوات عملية لتعزيز هذا الخلق:
إذا أردنا للخير أن يعمَّ مجتمعاتنا، وللبركة أن تغشى بيوتنا، فلنُعِد للأمانة مكانتها في مجتمعاتنا، وذلك من خلال:
- تربية الناشئة على مبدأ الرقابة الذاتية، وترغيبهم في نيل مرتبة الدين العليا (الإحسان) وهو أن تعبد الله كأنك تراه.
- تصحيح مفهوم الأمانة لدى الناس، وحثُّهم على الالتزام بها.
- إخلاص النيّة لله عند أدائها، وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه.
- إبراز النماذج الإيجابية لأداء الأمانة عن طريق القدوات، لكي يقتدي بهم الجيل.
- توجيه المناهج الدراسية لتعزيز خلق الأمانة في نفوس الجيل.
- إبراز الجوانب الإيجابية للأمانة بأنها مصدر للأمان والبركة والطمأنينة في المجتمع.
خاتمة
إن الأمانة ليست خُلُقاً هامشيّاً يمكن الاستغناء عنه، بل هي ميزان استقامة الإنسان وسبب صلاح المجتمعات وازدهارها. ولا يمكن لأي أمة أن تتقدم أو تنهض وهي تتساهل في أداء الأمانات أو تتهاون في مسؤولياتها.
إن كل واحدٍ منا مسؤول عما أُوتمن عليه، ومسؤول عن إحياء هذا الخلق العظيم في بيته وعمله ومواقفه اليومية، فإذا أدى كل فرد أمانته كما أمر الله، عاد للمجتمع أمنه وبركته وثقته، وارتفعت القيم التي تبني الأمم وتُعلي من شأنها.


اترك تعليقاً