الحياء أساس كرامة الإنسان وبقاء المجتمعات

“الحياءُ خيرٌ كلُّه”، هي كلمة نبوية جامعة تختصر قيمة هذا الخُلق العظيم. والحياء في الإسلام خلق مركزي يؤثر في كل جوانب حياة الإنسان. وإذا كان لكل أمة سمة تميزها، فالحياء هو السمة التي خُصّ بها الإنسان ليرتقي عن سائر الكائنات. قال الشاعر:

يَعِيشُ الْمَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيْرٍ … ‌وَيَبْقَى ‌الْعُودُ ‌مَا ‌بَقِيَ ‌اللِّحَاءُ

والشخص الحَيِيُّ قريبٌ إلى قلوب الناس مألوف عندهم، والشخص قليل الحياء بعيد من الناس مرغوب عن صحبته، ومِن أشد ما يُذَمُّ به أي فرد في المجتمع أن يقال فيه: (قليل الحياء).

1- ما هو الحياء: 

الحياءُ خُلُقٌ يَمْنَعُ صاحِبَهُ مِن فِعلِ المَذموم (القبيح) شرعاً أو عرفاً.

يعد تعريف الحياء من أهم المفاهيم الأخلاقية في الإسلام، وهو من أعظم الأخلاق الحسنة وأرفعها قدراً، قال ابن القيم: «تأمّل هذا الخُلُقَ الذي خُصَّ به الإنسانُ دونَ جميعِ الحيوان وهو خلقُ ‌الحياء الذي هو مِن أَفضلِ الأخلاقِ وأَجَلِّها وأَعظَمِها قَدْراً وأَكثَرِها نَفْعاً، بل هو خاصّةُ ‌الإنسانيةِ؛ فمَن لا حياءَ فيه ليس معه من ‌الإنسانية إلا اللحمُ والدمُ وصورتُهما الظاهرة». 

2- الحياء والخجل.. ما الفرق الجوهري بينهما؟

قد يشتبه عند البعض الحياء بالخجل، ولا يميز بينهما. والفرق بينهما مسألة تربوية مهمة؛ ومن أهم الفروقات:

  • أن الحياء خُلُقٌ يمنع صاحبَه مِن فِعلِ المذمومِ. 
  • والخَجَلُ تَغَيُّرٌ في الوجه يَحصُلُ لِغَمٍ في القلب عند ذهابِ حُجَّةٍ أو ظُهورِ رِيبةٍ. 
  • فالخجل مما كان، والحياء مما يكون.

3- ما هو الحياء المذموم؟

قد يطلق لفظ الحياء المذموم على ما يَمنَعُ مِن فِعلِ واجِبٍ أو يَحمِلُ على فِعلِ مَعصيةٍ، وهذا لا يُسَمى حياءً إلا تجوزاً، لقول النبي : «الحياء خير كله». ويمكن أن يوصف بأنه ضَعفٌ أو جبنٌ أو خوفٌ أو هزيمةٌ نفسية.  

ومن اتصف بالخجل حتى امتنع عن فعل الطاعات خجلاً من ذم بعض الناس، أو شارك العصاة في معصيتهم خجلاً، فليعلم بوجوب مجاهدة نفسه للتخلص من الخجل المذموم، ولا يعتبره حياءً.

4- من أعظم صور الحياء.. قصة موسى:

تعد قصة حياء موسى وابْنَتَيِ الرجلِ الصالِحِ مِن مِدْيَنَ من أجلى صُوَرِ الحياءِ التي سَجّلها لنا القرآنُ الكريمُ، إذ رآهما النبيُّ موسى عليهِ السلامُ تَدْفعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فاستغربَ وسألهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ لِمَ تَدفعانِ الغنمَ عَنِ الماء وإنما جئتما لِسَقْيِها؟ ولم يسترسل معهما في الكلام حياءً، فنطق بالضروري منه فحسب.

﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ في قولهما: وأبونا شيخ كبيرٌ بيانُ أنهما لولا اضْطِرارُهُما بسببِ شيخوخة أبيهما ما خرجتا للرعي والسقي، لكنهما مع الاضطرارِ للخروجِ تباعَدَتا عَنِ الرُّعاةِ حَياءً مِنَ الاختلاطِ بهم، ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ فأعانهما بالسقي لهما، ولم تبقَ لهما حاجة فابتعد وجلس في الظل. 

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قال عمر : واضِعَةً يَدَها على وجهِها مُسْتَتِرَةً.

وذُكر في بعض التفاسير أنه عليه السلام قال لها: امشي خلفي، وانْعَتِي لي الطريقَ، وأنا أمشي أمامَكِ. وذلك كي لا يَنظُرَ إليها مِن خَلْفِها وهي تمشي أمامَه لتَدُلَّهُ على الطريق مِن شدةِ حيائِه عليه السلام.

ولما وصل موسى إلى الرجل الصالح وعرفَ قِصتَه ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ طلبت من أبيها استئجارَه للعمل مكانَهما، وكأنها تقول لأبيها: فيه مواصفاتُ الأجيرِ الكامل.

5- مظاهر تراجع الحياء في المجتمع:

تراجع خلق الحياء من أبرز مشاكل المجتمع المعاصر، ويمكننا أن نلحظ أبرز مظاهر تراجع هذا الخلق في مجتمعاتنا من خلال: 

  • انتشارُ الفحش والبذاءة في الألفاظ والشتائم القبيحة.
  • المجاهرةُ ببعض المعاصي القبيحة والعلاقات المحرمة.
  • ارتكابُ الظلمِ وهَضمُ الحقوق على مَرأى ومَسمعٍ من الناس. 
  • اللباسُ المنافي للحِشْمَةِ كالثياب الممزقة والقصيرة والضيقة والتي تشف عمّا تحتَها.
  • إقامةُ الحفلاتِ المختلطةِ التي تزولُ فيها الحِشْمَةُ وتَسقطُ الكُلفة.
  • انعدامُ الخصوصية على وسائل التواصل الاجتماعي وتصويرُ ونَشرُ كلِّ شيءٍ.
  • الخوضُ في أحاديث المجالس التي تُهتَكُ فيها الخصوصياتُ والأمورُ المَستورَةُ.
  • المجاهرةُ بتركِ الواجباتِ وفِعلِ المحرماتِ، كتركِ الصلاةِ، والأكلِ في نهار رمضانَ.
  • التساهُلُ في العلاقاتِ بين الجِنسَينِ، والتبسُّط في الكلامِ بينهما.
  • عقوقُ الوالدين والإساءةُ إلى الأقارب وكبار السن.
  • رفعَ أصواتِ الأغاني والمعازفِ بشكلٍ مزعج في البيتِ والسيارة.
  • إلقاءُ القُمامةِ على الأرضِ على مَرأى ومَسمعٍ مِنَ الناس.

6- نتائج تراجع خلق الحياء على كيان الفرد واستقرار المجتمع:

ربما يظن البعض أن مظاهر تراجع خلق الحياء يقتصر أثرها على القائمين عليها فقط، ولكن الواقع غير ذلك، فغياب الحياء يصنع خللاً في المنظومة الأخلاقية للفرد والمجتمع، تنعكس آثارها الخطيرة على المدى البعيد على الفرد والمجتمع، ومن أبرز تلك الآثار:

  • شيوع المعاصي والمنكرات: فالحياء من الله يمنع العبد من المعصية، فإذا فقد الحياء ارتكب المعاصي وتعاطى المنكرات وترك الالتزام بأحكام الشرع.
  • أكل الحقوق: فمن قل حياؤه من الله ومن الناس لم يبال أن يأكل حقوقهم ويظلمهم ويعتدي على أعراضهم وممتلكاتهم.
  • انتشار الظلم: فمن قل حياؤه تطلّع إلى ما في أيدي الناس، فيستولي عليه ظلماً وعدواناً.
  • انحراف الفطرة: غياب الحياء يسوِّل للعبد التفلُّت من أحكام الشرع والاستكثار من الشهوات المحرمة المنافية للفطرة السوية. 

7- كيف نربّي أنفسنا وأبناءنا على خلق الحياء؟

هناك الكثير من الممارسات التي تساعد في تعزيز الحياء؛ من أبرزها:

  • مراقبة الله تعالى واستحضار أن الله تعالى متصف بالحياء، قال النبي : “إن الله حَيِيٌّ كَريمٌ”.
  • التعرف على سير الأنبياء والصالحين والاقتداء بهم، والتخلق بصفاتهم، فالنبي  كان أشد حياءً من العذراء في خدرها.
  • استحضار القدوة بالصالحات من هذه الأمة كأزواج النبي . 
  • تعلم الأخلاق الكريمة من القرآن والسنة وكلام الحكماء، واستحضار أن صاحب الحياء معدودٌ في الصالحين.
  • استحضار أن صاحب الحياء مرغوب فيه ومطلوب الصحبة من أجل حيائه.
  • استحضار الأجر العظيم المترتب على خلق الحياء.
  • تربية الأبناء والبنات على خلق الحياء منذ الصغر، ومداومة تذكيرهم بفضله وأجره.
  • التفكر والنظر في خطورة ومآلات المجتمعات إذا نزع منها الحياء. 

خاتمة: 

في نهاية المطاف، يتضح لنا أن خلق الحياء ليس مجرد فضيلة إضافية، بل هو صمام الأمان الفطري والأخلاقي للإنسان، والمحور الذي تدور حوله جميع المكارم. 

لنجعل من تعزيز الحياء مشروعاً فردياً وجماعياً، فالحياء ليس ضعفاً أو جبناً، بل هو تاج الكرامة وأصل العفة، ومتى فقده الفرد فقد معه خيري الدنيا والآخرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *