قصة تحكي أصل العدل.. حين سَرَقَت الشريفة!
في تاريخ المجتمعات، هناك لحظات فارقة تُحدد مسارها. في مكة المكرمة، وتحديداً في السنوات الأولى من قيام الدولة الإسلامية، حدثت سرقة لم تكن عادية، إذ لم يكن السارق شخصاً بسيطاً، بل كانت امرأة من قبيلة مخزوم ذات الوجاهة والمكانة الرفيعة.
كان مصير هذه المرأة يهمُّ قريشاً بأكملها، فأسرع سادات القبيلة للبحث عن واسطة لإسقاط الحدِّ عنها، ولم يجدوا سوى أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليشفع لها.
فكان الردُّ النبوي الحاسم الذي دوَّى كصاعقة، ووضع الأساس لشرعة العدل التي نبني عليها:”أتُكَلِّمُنِي في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟” ثم قام ليخطب في الناس بكلمات أصبحت ميزاناً للمجتمعات: “إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها!”
هذه القصة ليست مجرد حادثة، بل هي جوهر قيمة العدل الذي لا يعرف المحسوبيات ولا يفرق بين الشريف والضعيف. إنها القاعدة التي تُبنى عليها قوة واستقرار الأمم.
العدل ومرادفاته
القيم الكبرى يعيشها الناس، وتبني عليها المجتمعات حياتها وتنظمها وفقها، حتى وإن لم يعرفوا معناها الاصطلاحي بدقة. وهنا لابد من تذكير بسيط ولكنه مهم: بالضدِّ تتميز الأشياء. بمعنى إذا أردنا معرفة وجود أو غياب العدل، علينا النظر إلى المجتمع. وما هو منتشر في كثير من المجتمعات من حولنا غالبًا هو الظلم والبغي، وأصل البغي: التعدّي ومجاوزة القدر والحدّ من كلّ شيء كما قال شيخ المفسرين الإمام الطبري. والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور، كما هو عند ابن منظور.
مرادفات العدل
- القسط: “وزنوا بالقسطاط المستقيم” وهو العدل البيّن الظاهر.
- الوسط: [وكذلك جعلناكم أمّة وسطًا]، عدول خيار.
- الحق: من أسماء الله تعالى وأسماء القرآن، وهو أرفع درجات العدل.
- الإنصاف: إعطاء النصف، وهو مظهر من مظاهر العدل.
- السَّواء: العدل الوسط.
والعدل قد يجامع المساواة وقد يفارقها. كما ذكر “لويس ميهو”: القانون الغربي يهتم بالمساواة، بينما يهتم الإسلام بتحقيق العدالة. فالشارع يهتم بقيمة العدل لا المساواة، مع المحافظة على المساواة حين تكون عادلة.
مظاهر غياب العدل
غياب العدل يظهر في الحياة اليومية على أشكال عديدة؛ منها:
- الحجر على حرية الإنسان وحركته الذاتية.
- إذلال الإنسان وكبت طاقاته الخلّاقة وتشكيلها وفق ما يُراد له.
أمثلة يومية:
- محاباة معلم لتلاميذ من بني جنسه أو وطنه.
- التطفيف في الكيل سواء ماديًا أو معنويًا، مثل التفضيل بين الأبناء بدون سبب.
مظاهر العدل في حياتنا اليومية
- العدل مع النفس: الحفاظ على الحقوق الشخصية والتوازن بين العمل والأسرة.
- العدل مع الآخرين:
- عدل الموظف في الدوائر الرسمية بين المراجعين.
- عدل المدير بين موظفيه.
- عدل الأب مع أبنائه.
- عدل الحاكم مع أفراد المجتمع.
آثار غياب العدل
غياب العدل له آثار مباشرة وآثار آجلة؛ منها على سبيل المثال:
- تآكل الأمان المجتمعي.
- تصدُّع كرامة الإنسان، وهو أساس البنيان المجتمعي.
- فتور العلاقات المجتمعية والأسرية، وشيوع الظلم.
- ضعف قدرة الناس على الحفاظ على معايشهم.
- تفكك الأسرة والمجتمع.
- انتشار الظلم بكافة أشكاله من تهم وافتراءات وتمييز بسبب العرق أو الانتماء.
- تحول المجتمعات إلى بيئة تشبه الغابة، حيث يُترك الضعيف للاضطهاد.
كيف نحقق العدل في تعاملاتنا اليومية؟
لتعزيز العدل في المجتمعات، يجب:
- تأكيد دور الإسلام في إقامة العدل من خلال تطبيق الأحكام الشرعية في حياتنا اليومية.
- تفعيل العدل من أصغر دائرة إلى أكبرها، مثل الأسرة والمدرسة والعمل.
- تسليط الضوء على أمثلة حقيقية لفوائد العدل وآثاره الإيجابية.
- القضاء على المحسوبيات والواسطة.
- تعزيز العدل في البرامج والمناهج الدراسية وتشجيع الطلبة على تطبيقه عمليًا.
- دور المصلحين وأصحاب الرأي في النصح وإقامة العدل بين الناس.
- تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في المؤسسات اعتمادًا على القدرات والكفاءات.
العدل وتكافؤ الفرص: ميزان المؤسسات
في أي مؤسسة أو مجتمع، لا يمكن الحديث عن العدل الحقيقي ما لم يتحقق مبدأ تكافؤ الفرص. هذا المبدأ هو الضمانة بأن التنافس يتم على أساس الكفاءة والقدرات فقط، وليس على أساس القرابة أو الانتماء أو المحسوبية (الواسطة).
وتكافؤ الفرص في الحياة اليومية يعني:
- في التوظيف: إعطاء الفرصة للمرشح الأكفأ والأجدر، بغض النظر عن معرفته أو مكانته الاجتماعية.
- في التعليم: ضمان وصول جميع الطلاب إلى مستوى تعليمي عالٍ دون تمييز، وتوفير الدعم لمن يحتاجه فعلاً.
- في المعاملات الرسمية: حصول جميع المراجعين على نفس الإجراءات والخدمات بنفس السرعة والاهتمام.
إن تطبيق تكافؤ الفرص يضمن عدم إهدار الطاقات الخلاقة في المجتمع، ويقضي على الشعور بالغبن والظلم الذي يؤدي إلى تآكل الثقة، مما يعزز الاستقرار المجتمعي ويحقق النمو والازدهار الاقتصادي والاجتماعي. فالمجتمع العادل يقدّر العمل الجاد ويثيب الموهبة، وهذا في حد ذاته هو جوهر العدالة الاجتماعية.
5 خطوات لتفعيل العدل في واقعنا
- مرحلة الوعي الأولي: التحدث عن خلق العدل واستدعاء أمثلة عامة عليه.
- مرحلة التنضيج المعرفي: مناقشة مفهوم العدل، محدداته، ومنطلقاته، وعلاقته بالقيم الأخرى.
- مرحلة التبني الواقعي: تحويل خلق العدل إلى مبدأ مستقر وفاعل في المجتمع.
- مرحلة تحويل القيم إلى إجراءات: وضع خطوات عملية لتطبيق العدل في الحياة اليومية.
- مرحلة ضمانات البقاء: تدقيق الآليات لمنع التحايل على قيمة العدل وضمان استمراريتها.
وغالبًا ما نفشل في تنزيل الأخلاق عمليًا لأننا لا ندرك مراحل انتقالها من المفهوم إلى التطبيق الواقعي.
خاتمة:
بعد استعراضنا لجوهر العدل ومرادفاته، وتأملنا في الآثار المدمرة لغيابه، يتضح لنا أنَّ العدل ليس مجرد قيمة نظرية، بل هو ميزان يومي يجب أن يطبق في أدق تفاصيل حياتنا، من الأسرة إلى المؤسسات الكبرى، وصولاً إلى كافة مناحي المجتمع؛ خاصةً في ضمان تكافؤ الفرص. إن القضاء على المحسوبيات وضمان المساواة أمام القانون (كما جسدته قصة المرأة المخزومية) هو الضمان الوحيد لبقاء العمران.


اترك تعليقاً