التقوى: ميزان التفاضل بين الناس

تعد التقوى ميزان التفاضل الحقيقي بين الناس؛ حيث قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. إن التقوى هي منبع الفضائل، ومستودع الشمائل؛ فالرحمة، والوفاء، والصدق، والعدل، والورع، والبذل، والعطاء؛ كلها من ثمراتها اليانعة. وهي الأنيس في الوَحْشَة، والمنجية من الهلكة، ولأجل شرفها وفضلها؛ فقد أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالتعاون من أجلها كأحد أهم أعمال القلوب، فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

ما معنى التقوى في اللغة والاصطلاح؟

التقوى في اللغة

عند البحث في تعريف التقوى لغةً، نجد أن أصلها في اللغة يرجع إلى قلة الكلام، ومنه قولهم: التَّقِيِّ مُلجَمٌ. والمُتَّقِي فوق الْمُؤْمِنِ والطَّائِعِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحٍ عَمَلِهِ، وَخَالِصِ دُعَائِهِ، عَذَابَ اللَّهِ تَعَالَى، مَأْخُوذُ مِنَ اتَّقَاءِ المكروه بِمَا تَجْعَلُهُ حَاجِزاً بَينَكَ وَبَينَهُ. وَقَد تَوَقيْتُ، وَاتَّقَيتُ الشَّيءَ، وتَقَيتُه، أَتَّقِيه، تُقى، وتَقِيَّةٌ، وتقاء: حَذِرتُه، والاسمُ التَّقوى.

التقوى في الاصطلاح الشرعي

أما في المعنى الشرعي للتقوى، فقد ذكر العلماء عدة عبارات جامعة:

  • قال ابن تيمية رحمه الله: “التَّقوى: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه”[1].
  • وقال ابن القيم رحمه الله: «أمَّا التَّقوى: فحَقِيقتها العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً، فيفعل ما أمر الله به إيماناً بالأمر، وتصديقاً بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيماناً بالنَّاهي، وخوفاً مِن وَعِيده».
  • وكما قال طلق بن حبيب رحمه الله: “أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تَخَافُ عِقَابِ الله[2]“.

وقيل أيضاً في التقوى: «أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك»[1]. فإذا نهاك عن مجالس الاستهزاء بآيات الله فلا يجدك هناك، وإذا أمرك بالصلوات الخمس والجمعة فلا يفتقدك.

  • [1] مجموع الفتاوى (15/ 402)
    [2] الزهد لابن المبارك (ص 376
  • [1] زاد المهاجر لابن قيم الجوزية (ص 10).

ما هي منزلة التقوى في القرآن والسنة؟

تعد التقوى من أوجب الواجبات، وقد دلّت على ذلك نصوص كثيرة؛ فقد وصى الله بها في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. قال القرطبي رحمه الله: «الأمر بالتقوى كان عاماً لجميع الأمم»[1]. وقال ابن تيمية: “التَّقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها ووصى بها في غير موضع”[2].

ويقول السعدي رحمه الله في تفسير آية الوصية: «فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها بأليم العذاب»[3]. كما أمر النبي ﷺ بالتقوى كقاعدة سلوكية شاملة، فقال لأبي ذر رضي الله عنه: اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنتَ.


[1] تفسير القرطبي (5/ 408).

[2] شرح العمدة (3/ 627)

[3] تفسير السعدي (ص 207).

التقوى ووصية الأنبياء عليهم السلام

لقد كانت التقوى هي الركيزة التي لم يزل الأنبياء يُوصون بها أقوامهم. فجميع الرسل عليهم السلام قالوا لأقوامهم: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾؛ كما ورد عن نوح، وهود، وصالح، ولوط عليهم السلام في سورة الشعراء. وعندما طلب الصحابة من النبي ﷺ موعظة مودع، كانت أولى كلماته: “أُوصِيكُم بتقوى الله”.

إن أهل التقوى هم أولياء الله حقاً؛ قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. والمتقون هم أصحاب الولاية المجتهدون في الطاعات، وعن أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث القدسي: “مَن عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنتُهُ بِالْحَرْبِ.. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ”[1].


[1] رواه الترمذي (1987)

ما هي مراتب التقوى؟

صنف العلماء التقوى إلى ثلاث مراتب متدرجة في القوة والكمال:

  1. المرتبة الأولى: التوقّي من الشرك والكفر: وهو ما يخلد صاحبه في النار، وذلك باتباع التوحيد، وهي المقصودة بقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26]. فالعصاة الموحدون يتقون الخلود لكنهم قد يعرضون أنفسهم للعذاب بتفريطهم.
  2. المرتبة الثانية: التوقّي من الكبائر والصغائر: وهي فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات. قال ابن رجب رحمه الله: “يدخل في التقوى الكاملة: فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها فعل المندوبات وترك المكروهات”[1].
  3. المرتبة الثالثة: تنزيه القلب عما يشغل عن الله :وهي مرتبة “الكمال”؛ حيث يترك العبد ما لا بأس به حذراً مما به بأس. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تمام التَّقوى: أن يتقي الله العبد حتى يتقيه في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً.[2]

[1] تفسير ابن كثير (4/ 341)

[2] الزهد لابن المبارك (ص 452)

صفات المتقين في القرآن الكريم

ذكر الله سبحانه وتعالى صفاتٍ جليلة يُعرف بها المتقون، ومن أبرز صفات المتقين:

  • الإيمان بالغيب: إيماناً جازماً ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
  • العفو والصفح: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
  • سرعة التوبة: لا يصرون على الذنب ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تذَكَّرُوا﴾.
  • تحري الصدق: في الأقوال والأعمال ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
  • تعظيم الشعائر: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
  • العدل: حتى مع الخصوم ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
  • صحبة الصادقين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

كيف نحقق التقوى في حياتنا؟

إن الوصول إلى التقوى لا يتم بمجرد الأعمال الظاهرة، وإنما يحصل بما يقع في القلب من خشية الله ومراقبته. ومن أهم الوسائل المعينة:

  • طلب التقوى من الله: كما كان النبي ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الهُدَى، وَالتَّقَى، وَالعَفَافَ، وَالغِنَى» [14]. ودعاؤه: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا» [15].
  • استشعار مراقبة الله: فمراقبة الله تحجب سبل الهوى.
  • إصلاح النية: قال عون بن عبد الله: «فواتح التقوى: حسن النية».

الإيمان بالقضاء والقدر: وما أعده الله للمتقين من سعادة يحث النفس على الالتزام.

ما هي ثمرات وفوائد التقوى في الدارين؟

إِنَّ تقوى الله هي النافعة والرافعة في الدنيا والآخرة. قال ﷺ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا جَمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ». وإليك أهم ثمرات التقوى:

  1. نيل رحمة الله: حيث يقصرها الله يوم القيامة على المتقين ويقوم بزيادتهم.
  2. قبول العمل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عمر: «لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة؛ لم يكن غائب أحب إلي من الموت».
  3. النجاة من عذاب الدنيا: ﴿وَنَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
  4. تكفير السيئات والفوز بالجنة: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾.
  5. مغفرة الذنوب: فالتقوى تمنع من مشاركة أهل المعاصي فيحصل الغفران بالتأسي والحياء.
  6. الإكرام عند الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
  7. محبة الله والملائكة والناس: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وإذا أحب الله عبداً وضع له القبول في الأرض.
  8. النصرة والتأييد: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهي معية نصرة وتأييد.
  9. بركة الأعمال: فالمتقي ينفعه الله بقليل عمله وكثيره.
  10.  الوقاية والحفظ: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كيدُهُمْ شَيْئًا﴾. وقالت عائشة رضي الله عنها: «إن اتقيت الله كفاك الناس».
  11.  حفظ الأهل والذرية: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا… فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾.
  12.  الشرف والهيبة: فمن أحب رفعة الدارين فعليه بالتقوى.
  13.  التعويض عن كل فائت: تقوى الله خلفٌ من كل شيء، ولا يوجد عنها خلف.
  14.  اطمئنان القلب: لأن التقي يراقب ربه فيطمئن لترك المحرمات وأداء الواجبات.

ختاماً

إن التقوى هي عقدة كل عاقل، إليها يستروح وبها يسترشد. اللهم أحينا على كلمة التقوى، وتوفنا عليها، واجعلنا من صالحي أهلها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha