إن التفكر هو مفتاح الأنوار، ومبدأ الإبصار، والأداة العظمى للعلوم والفهوم. وهو من أجف وأعظم أعمال القلوب، بل يعده العلماء من أفضل العبادات وأجل القربات. ورغم أن أكثر الناس قد عرفوا فضل هذه العبادة، إلا أن الكثيرين قد جهلوا حقيقتها وثمرتها، وقليل منهم من يُعمل عقله في التدبر والاعتبار؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.
إن أشرف المجالس وأعلاها قدراً هي تلك التي تخلو فيها النفس مع الفكرة؛ تأملاً في أسماء الله وصفاته، وجنته وناره، وآلائه المبثوثة في كتابه والمنشورة في كونه. فما ألذ هذه المجالس لمن رُزق بركة عبادة التفكر، وما أطيب أثرها في إصلاح حال العبد وجمع قلبه على ربه.
حقيقة التفكر ومنزلة إعمال العقل
ليس كل فكر نافعاً، بل الفكر على أقسام؛ وقد لخص العلماء أنفع الفكر في ثمانية أبواب تدور حولها أفكار العقلاء:
- الفكر في مصالح المعاد: وهو التفكر في طرق النجاة يوم القيامة.
- الفكر في آلاء الله ونعمه: وهو رأس الفكر، ويشمل التدبر في أسماء الله وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة دون خوض في الكيفية.
- الفكر في نعم الله الخاصة: كالتفكر في الرزق، والزوجة، والأمن والأمان.
- التفكر في الدنيا والآخرة: أي في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها؛ ليعرف العبد فضل الباقي على الفاني.
إن التفكر في خلق السموات والأرض وعجائب الكون هو من صفات أولياء الله العارفين، الذين يستدلون بهذه المخلوقات على جلال الخالق، قائلين بلسان الحال والمقال: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾.
عجائب الكون وبراهين القدرة الإلهية
إن في خلق الله من الغرائب ما يهول الناظرين؛ فإذا نظر العبد إلى الأرض الميتة كيف تهتز وتربو بخضرة النبات عند نزول الماء، وإلى الجبال الراسيات والمياه الجارية من الصخور الصلدة، أدرك كمال اللطف الإلهي. ومن أعظم براهين القدرة ما نراه في أصناف الحيوانات، من حشرات دقيقة كالعنكبوت التي تبهر العقل في هندسة بيتها، إلى الأنعام والوحوش التي سخرها الله لمصالح العباد.
إن التفكر في آلاء الله يشمل الاستفادة من العلوم التجريبية الحديثة؛ فكلما اكتشف العلم سراً جديداً في الكون، ازداد المؤمن يقيناً بعظمة الخالق الذي قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهنا يجب الحذر من استحواذ الشيطان، فعلامة خذلان العبد أن يُشغل قلبه بتدبير الدنيا وجمعها عن التفكر والمراقبة.
فضل التفكر ساعة وفوائده الجليلة
لقد أدرك السلف الصالح أن الفكر يختصر المسافات إلى الله؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: “تفكر ساعة خير من قيام ليلة”[1]. وهذا الفضل العظيم يعود إلى أن التفكر يورث اليقين ويحيي القلب الساهي، فركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب لاهٍ. ومن أبرز فوائد التفكر في خلق الله وأثره في حياة المسلم:
- الاجتهاد في العمل: فالتفكر في تقصير النفس يدعو إلى التوبة والعمل الصالح.
- تكثير العلم والمعرفة: فالفكر سبب لنيل الحكمة، كما كان حال لقمان الحكيم الذي عُرف بطول الصمت وعمق النظر[2].
- محبة الله واستشعار عظمته: فمن تأمل إحسان الله إليه أحبه، ومن تفكر في عظمته خافه وهابه.
- زيادة الإيمان: فالتفكر في الوعد والوعيد يورث الرغبة في الآخرة والزهد في خسة الدنيا.
إن الفرق بين التفكر والتدبر يكمن في أن التفكر هو المبدأ والتدبر هو الغاية، وكلاهما يسوق العبد إلى إصلاح باطنه وظاهره.
قصص السلف في عبادة التفكر
كان حال السلف مع الفكرة حالاً عجباً؛ فقد حُكي عن بعض العباد أنه قعد يتفكر في قوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ ليلة كاملة وهو ممسك بقدح الوضوء حتى طلع الفجر[3]. وآخر وقف أمام تنور خباز فبكى لما تذكر نار الآخرة.
ويروى أن أعرابياً مات جمله، فوقف يتفكر في أعضائه الكاملة وجوارحه السالمة، سائلاً نفسه: ما الذي كان يحملك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي منعك عن الحركة؟ فانصرف وهو متعجب من سر الروح وعظمة الخالق. إن هذه قصص السلف في الإخلاص والفكر تعلمنا أن العبرة ليست بكثرة المشاهدة، بل بنور البصيرة الذي يجعل من كل شيء آية تدل على الله.
الارتقاء بالأمة عن طريق التفكر
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى التفكر في الدنيا والآخرة وفي حال أمتنا الإسلامية. إن المصلحين والمجددين لم يصلوا إلى سد الثغرات إلا بعد طول تأمل في مواطن الخلل. فالتفكر في أسباب القوة والارتقاء، ومقارنة حالنا بحال سلفنا، هو السبيل لاكتشاف الأخطاء وتصحيح المسار؛ فالتفكر مرآة تريك الحسنات والسيئات، وبها يستيقظ القلب ليعود بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر.
الخاتمة: القلب السليم والفكرة المستبصرة
في الختام، إن القلب الذي لا يتفكر ولا يتدبر ليس بقلب سليم، والتفكر النافع هو تفكر المستبصر الذي يبتغي العمل لا مجرد العلم الجاف. فعلى العبد أن يديم الفكر في عمره وما مضى منه؛ فهل يثق بما قدم؟ أم يخشى الردى والهلاك؟
إن الاستعاذة بالله من الشيطان عند القراءة والتفكر هي صمام الأمان لعدم التلبيس على القلب. نسأل الله أن يجعلنا من الذين يتفكرون فيعقلون، ومن الذين يتدبرون فيعملون، وأن يحيي قلوبنا بنور المعرفة واليقين.
[1] حلية الأولياء، 274/9
[2] ابن كثير، 585/3
[3] تفسير القرطبي، 245/8


اترك تعليقاً